أعلان الهيدر

الجمعة، 1 يونيو 2018

الرئيسية التخطيط التربوي: مجالات اشتغاله، مقارباته، والصعوبات التي تعترضه

التخطيط التربوي: مجالات اشتغاله، مقارباته، والصعوبات التي تعترضه


إنه لمن المفيد جدا أن نستهل هذه المداخلة بالتذكير بأهمية التخطيط بشكل عام، والتخطيط التربوي على وجه الخصوص ، ودوره المركزي في توجيه السياسات الاقتصادية والاجتماعية والتربوية في البلدان المختلفة وقبل ذلك لابد من الإشارة إلى أن التخطيط التربوي يستمد مرجعيته من سبارطا مند حوالي 25 قرنا. فالتخطيط للتربية كان من أجل أهداف عسكرية واجتماعية واقتصادية محددة. فأفلاطون اقترح في جمهوريته مخططا للتربية منسجما مع الغايات السياسية وإكراهات هيمنة أثينا. كما أن الصين في عهد إمبراطورية هان والبيرو في عهد الأنكا خططا للتربية لخدمة أهداف وطنية. لقد سقنا هذه الأمثلة لإبراز الدور الذي يلعبه التخطيط التربوي في ربط النسق التربوي لمجتمع معين بأهدافه وغاياته.
وخلال منتصف القرن السادس عشر سطر جون كنوكس مخططا لوضع نسق وطني للمؤسسات التعليمية والذي كان يرمي إلى خدمة المواطن الإيكوسي وهكذا ظهرت عدة مشاريع ومخططات نذكر أهمها: مخطط جامعة للحكومة الروسية من إنجاز ديدرو تحت طلب كاترين2. كما أن روسو وضع مخططا من أجل ضمان التربية لجميع المواطنين البولونيين.
ولم يأخذ التخطيط التربوي معناه الحديث إلا في بداية القرن  الماضي وبالضبط سنة 1923 مع الاتحاد السوفياتي الفتي والذي مكن الشعب، ثلثاه أميون، أن يعرف تحولات عميقة في ظرف لا يتجاوز خمسة عقود بالرغم من كون التخطيط التربوي كان لايزال يستعمل طرق وتقنيات تقليدية.
فما هو التخطيط التربوي؟ وما هو مجال اشتغاله؟ ماهي المقاربات التي يعتمدها؟ وكيف يمكن استشراف   المستقبل؟ وما هي بالتالي الصعوبات التي تواجهه؟.
1- التخطيط التربوي:
إذا ما سلمنا بأن التخطيط التربوي هو فرع تخصصي للتخطيط العام فمعنى ذلك أنه يجب علينا استحضار كل المرجعيات والخلفيات التي ينطلق منها المخطط بشكل عام من نماذج اقتصادية (Modèles économétrique) ومن تقنيات إحصائية وديمغرافية ومن ترسانة من المفاهيم والمنهجيات التي من شأنها تنوير البحث وتعزيز أدوات الاستكشاف كما أن التخطيط التربوي يستدعي معرفة سوسيولوجية للمجتمع المخطط له لأن المدرسة يتجاذبها عدة أقطاب وعدة تيارات وإيديولوجيات من ثقافات متنوعة. لذلك كان الإلمام بجوانب معرفية في ميادين  الاقتصاد، الإحصاء، الديمغرافيا، السوسيولوجيا، الاتنوغرافيا، الاتتروبولوجيا، التربية، السكولوجيا، المالية العمومية، طرائق التسيير والتدبير الحديثة، المعلوميات، شرطا أساسيا لنجاح المخطط التربوي في مهمته.
فالتخطيط التربوي هو محاولة تطبيق مختلف المقاربات العقلانية والرامية إلى دراسة مختلف الإمكانيات وصياغة مختلف السيناريوهات لتنمية النسق التربوي (إن على المستوى العام ويسمى بالتخطيط المركزي أو على المستوى المحلي ويسمى بالتخطيط المصغر (la micro-planification) وذلك عبر ترشيد الوسائل المادية والمالية والبشرية المرصودة للنسق بعد تنميطها وترتيبها حسب الأولية آخذا بعين الاعتبار الأهداف المرسومة والمدة اللازمة لتحقيقها وكذا الإكراهات التي تواجه النسق في كل تجلياتها.
فالتطور الذي عرفته العلوم الإنسانية وظهور نظرية الرأس مال البشري بالغرب و خاصة بالولايات المتحدة الأمريكية بفضل كل من شولتز وبكر، حقق قفزة نوعية في البحث العلمي حيث أصبح هذا الأخير من اختصاص الحكومة وهكذا أدت النقاشات بين علماء الاقتصاد والمسؤولين على دواليب الاقتصاد بالدول الغربية إلى الاتفاق حول النقط الخمس التالية:
على التخطيط التربوي أن:                 
-    يولي الاعتبار للمستقبل البعيد.
-    يكون شاملا.
-    يكون مندمجا في المخططات العامة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية.
-     يكون جزءا مندمجا في الإدارة التربوية.
-    يهتم بالجوانب النوعية لتنمية التربية.
إن هذا الاتفاق يحيلنا على أسئلة محورية شكلت في نظر فيليب كومبس أهم الجوانب التي اشتغل عليها التخطيط التربوي.
2- مجال اشتغال التخطيط التربوي:
يصعب على أي باحث على الأقل من الناحية المنهجية و المفاهيمية، مهما تعددت اختصاصته و تشعبت معارفه، أن يرسم بشكل دقيق مجال اشتغال التخطيط التربوي و لكننا سنتعسف عليه بطرح مجموعة من الأسئلة من شأنها تقريبنا منه.
-    ما هي الأهداف الأولية والمهام الأساسية للنسق التربوي بكل مستوياته.
-    ماهي الوسائل الممكنة لتحقيق هذه الأهداف والقيام بهذه المهام على أحسن وجه؟
-    ماهي الحصة من موارد الأمة (أو الجماعة) التي يجب رصدها للتربية و على حساب أية أهداف أخرى؟
-     ما هي مصادر التمويل؟ هل يتم توزيع الفاتورة بين المستفيدين المباشرين من التربية أم هناك جهات أخرى.
-    كيف يمكن توزيع مجموع الموارد المرصودة بين مختلف أسلاك التعليم وأنواعه            ( ابتدائي- إعدادي - ثانوي تأهيلي ، تقني، عام، أصيل) .
فبالإضافة إلى هذه الأسئلة يمكن أن نتفق مع فيليب كومبس في بعضها ونطرح أسئلة أكثر دقة وأكثر إجرائية:
-    ما هي التوجهات التي سيأخذها النسق التربوي مستقبلا؟
-    ما هو الوضع الذي يوجد عليه النسق التربوي حاليا؟
-    ماهي الوضعية المتوخاة للقطاع في أجل محدد؟
-    تحديد الفرق أو الفروق بين الوضعيتين الحالية والمتوخاة؟
-    كيف السبيل للتقليص من هذا الفرق أو هذه الفروق؟
-    ما هي أوليات النسق؟
-    ما هي الوسائل المادية والمالية والبشرية التي يتوفر عليها النسق؟
-    ما هي أنجع السبل لتحقيق أكبر عدد ممكن من الأهداف وبأقل تكلفة ممكنة؟
وللإجابة على هذه الأسئلة أو بعضها والتي تؤطر عمل المخطط وتساعده في رسم معالم النسق التربوي في أفق محدد، لابد من التذكير بالمراحل التي يقطعها مخطط تربوي كمحطات أساسية يكون إنجاز الواحدة أو جزء منها مشروطا بإنجاز التي تليها.
ويمكن تلخيص أهم محطات مخطط تربوي في ثلاث مراحل أساسية:    
¨                    مرحلة التشخيص:
غالبا ما تسبق هذه المرحلة، محطة يتم خلالها تحديد توجهات النسق بناء على السياسة التربوية والغايات والمرامي المتوخى تحقيقها وكذا الأولويات الكبرى في إطار حيز زمني محدد.
وتأتي هذه المرحلة، والتي غالبا ما يعتبرها البعض تقويما لمخطط سابق، لوضع الأصبع على جميع جوانب النسق التربوي كرصد نقط القوة التي يتميز بها النسق التربوي وكذا الإختلالات والإنزلاقات التي يعاني منها وكذا المعيقات التي تحول دون تحقيق الأهداف المتوخاة وما السبيل إلى بلوغ آفاق المخطط.
وتنبني عملية التشخيص على احتساب بطارية من المؤشرات الدا لة وذلك لقياس مستويات تحقيق الأهداف.
وهناك بعض المختصين من يسمي هذه المرحلة بالتخطيط الاستراتيجي والتي يتم خلالها كذلك تحديد الموارد المالية والبشرية والمادية المرصودة.
¨                     مرحلة التنفيذ:
تقوم هذه المرحلة على تطبيق مقتضيات المخطط وفق منهجية تحدد نوع العملية والمتدخلون والحيز الزمني وعلى مراحل متتابعة حسب المجال التخصصي (بناءات مدرسية، تجهيزات مختلفة، داخليات، مطاعم مدرسية،...)
تلعب هذه المرحلة دورا مركزيا في بلورة المخطط على أرض الواقع وأجرأته ولذلك ينبغي إيلاءها العناية اللازمة من دقة وتركيز في تحديد نوعية المتدخلين و مدى ملائمتهم للعملية المسندة إليهم وكذا في التدخل العاجل لتجاوز كل اختلال طارئ.
¨                    مرحلة التقويم.
تأتي هذه المرحلة إما في ختام مخطط معين أو في محطة من محطات تنفيذ المخطط، وترمي هذه المرحلة إلى قياس مدى تحقيق الأهداف أو تقدم إنجازها. وينبنى هذا القياس كذلك على عُدة من المؤشرات التربوية الدالة.
وتهدف هذه المرحلة كذلك إلى رصد الصعوبات التي حالت دون تحقيق الأهداف أو جزء منها ومحاولة بناء استراتيجية محددة لتجاوزها.
3- مقاربات التخطيط التربوي:       
لقد أدى التنافس خلال الستينات من القرن الماضي، بين عدة مدارس في مجال التخطيط التربوي، إلى ظهور ثلاث مقاربات:
3-1 مقاربة الطلب  الاجتماعي:
تتمثل هذه المقاربة في كونها تقوم على احتساب مجموع الطلبات الفردية على التربية، في مكان وزمان معين، وفي ظل ظروف اقتصادية وسياسية وثقافية محددة، ويعني ذلك أنها تقوم كذلك على قياس العرض من حجرات دراسية ومقاعد شاغرة وكل تجاوز لعدد الطلبات لعدد المقاعد المتوفرة يصبح الطلب يفوق العرض، والعكس بالعكس، فهي تعمل دائما على تحقيق المعادلة الصعبة بين العرض و الطلب.
فالعرض تتحكم فيه الموارد المالية المرصودة والطلب تتحكم فيه بالإضافة إلى مجموعة من العوامل الثقافية وغيرها عدد الساكنة المعنية بالتربية.
3-2 مقاربة الحاجيات من اليد العاملة:     
وهي مقاربة، ترمي إلى تلبية الحاجيات من اليد العاملة (من مهندسين، و فنيين، و تقنيين،.....، و يد عاملة مؤهلة)، تعتبر التربية أساس الرفع من الإنتاجية. وتقوم أساسا على تحديد هذه الحاجيات على جميع مستويات التأهيل لإرساء برنامج تكويني يلبي هذه الحاجيات.
3-3 مقاربة الكلفة والربح
وتتمثل هذه المقاربة في استثمار السلطات العمومية أو القطاع الخاص في مستويات التربية والتعليم وفي الشعب المعتبرة ذات مردودية وهي تقوم على مقارنة كلفة الدراسة،  الكلفة المالية و كلفة "الربح المفقود"(Coût financier et coût d’opportunité)، مع الأرباح التي ستدرها هذه الدراسة (الأجر الإضافي، وامتيازات أخرى كالضرائب بالنسبة للدولة...).

4- صعوبات التخطيط التربوي؟
إن التخطيط التربوي يدرس الظواهر التربوية في أبعادها المختلفة، وبما أن هذه الظواهر هي جزء من الظواهر الإنسانية، فإن الصعوبة التي تعترض دراسة هذه الأخيرة تعترض في نفس الوقت المخطط في الميدان التربوي.

ويمكن تصنيف هذه الصعوبات كالتالي:
4-1- الصعوبات الناتجة عن التواصل القائم بين التخطيط الاقتصادي والتخطيط التربوي.
إن للتربية دوران أساسيان في تكوين الفرد.
-    تكوينه من أجل قيمه الإنسانية في أبعادها المختلفة.
-    تكوينه من أجل مهمته ومهنته واقتصاد بلده.
فالتنمية التربوية تخدم التنمية الاقتصادية وهذه الأخيرة تفسح للتربية مجالات التفتح.
فعلى النسق التربوي أن يكون بمثابة معمل لإنتاج ما يحتاج إليه البلد من عاملين في شتى فروع النشاط الاقتصادي فعلى الخطة التربوية:( مقاربة اليد العاملة)
·     أن تحصر الطاقة العاملة الفعلية في البلد وتوزيعها على مختلف فروع النشاط.
·     أن تتنبأ بالطاقة العاملة بعد سنوات( أفق الخطة) وعلى كيفية توزيعها على مختلف فروع النشاط الاقتصادي.
·     وعليها كذلك أن تحدد المؤهلات التربوية التي تحتاج إليها الأعداد المختلفة من أفراد الطاقة العاملة الذين تم التنبؤ بهم.
4-2- الصعوبات التي يثيرها القول "بأن التربية مردود وتوظيف مثمر لرؤوس الأموال".
·     للتربية آثار غير مباشرة على المجتمع لأنها تعمل على المدى الطويل.
·     للتربية آثار حضارية إلى جانب الآثار الاقتصادية حيث أنها تمس البنيات الاجتماعية مما يؤدي إلى نتائج اقتصادية جديدة.
·     صعوبة عزل الظاهرة التربوية عن الظواهر الإنسانية الأخرى لدراستها ومعرفة نتائجها.
·     الوسيلة المتبعة في تقدير مردودية التعليم منقوصة لأنه من العسير فصل آثار التعليم عن الآثار الاجتماعية والاقتصادية المتعلقة به حتى نقيسها ونقدر بالتالي أرباحها.
4-3- الصعوبات الناشئة عن ضرورة مواكبة التربية للتقدم العلمي والتقني السريع في العصر الحديث.
 ويمكن تلخيصها في ما يلي:
·      صعوبة وجود معيار تستطيع التربية بواسطته أن تتنبأ باتجاهات المستقبل وتغيراته نظرا لسرعة تقلبها في عصرنا الحديث (عصر الانتقال الاجتماعي وعصر المعلومة).
à                      فإن تم إسقاط معطيات الحاضر على المستقبل وجب عن هذا تخليد الماضي والمستقبل وهذا يخالف عملية التطور.
à                      أما إن تم اللجوء إلى عملية المقارنة، فإن نتائجها تكون غير مضمونة وذلك لأن المراحل التي قطعها بلد متقدم ليس من الضروري أن يقطعها بلد متخلف لكي يحقق نفس المستوى من التطور.
·     فالبلدان المتخلفة والسائرة في طريق النمو تعيش انقلابات سريعة أكثر من غيرها وهي بذلك مدعوة إلى تجاوز تخلف السنين الطوال مما يطرح معضلة مواكبة التربية للتقدم العلمي.
4-4- الصعوبات الناتجة عن تداخل مشكلات التربية وتداخل حلولها. فأمام الإمكانيات المادية المتواضعة والطلب المتزايد والكبير على التربية تطرح مشكلة "الأولويات". فما هي المرحلة التعليمية التي يجب تقديمها على المراحل الأخرى مثلا.
ü                الصعوبات التي يثيرها مبدأ التخطيط عامة:
فلا يمكن فصل عناصر الظواهر الإنسانية لكونها معقدة ومتشابكة حتى نتمكن من التنبؤ بمجراها والعمل على تغييرها.
أمام هذه الصعوبات، يجب على المخطط أن لا يبقى مكتوف الأيدي بل عليه أن يفكر في إيجاد الحلول الممكنة التي تناسب الظروف القائمة وتتلاءم مع معطيات الواقع. فمعضلات التنمية التربوية والتنمية الاقتصادية تقتضي بناء جسور للتواصل المستمر في ما بينها نظرا لترابط الإشكاليات
ويمكن التفكير في عدة حلول منها على الخصوص:
ü                حلول ذات طابع فكري ثقافي وفني:
بما أن التخطيط عملية تشمل ما هو اقتصادي، اجتماعي وتربوي بحيث لا يمكن عزل أحدهما عن الآخر وإذا كان الهدف المتوخى هو إسعاد الإنسان والرقي به إلى أسمى درجات الحضارة فإن كل تخطيط لا يمكن أن يكون فعالا وناجعا إلا إذا ارتكز بالأساس على التخطيط التربوي الذي يسهل إلى حد ما إقرار توازن بين تكوين الإنسان من أجل قيمه وثقافته وبين تكوينه من أجل مهمته والمساهمة في تنمية اقتصاد بلده.
وبالنسبة للحلول الممكنة لصعوبات المنظور القائم،  على أن التربية  توظيف مثمر ومردود قابل للقياس، فالتربية ليست مجرد صناعة من الصناعات تظهر نتائجها وربحها بعد وقت وجيز بل هي عمل حضاري تمس آثاره البنيات الجذرية للمجتمع على المدى البعيد. لذلك علينا أن نعتني بآثاره غير المباشرة بدل  الاكتفاء بالاعتناء بآثاره المباشرة فقط.
فما دام هناك نقص في وسائل وطرائق قياس مردودية التعليم، فالحل يكمن في اللجوء إلى الطريقة التي تعتمد على تصحيح كل أخطاء الطرق المعتمدة عادة ومقارنة نتائجها واستخلاص النتيجة الممكنة منها والمعقولة.
أما بالنسبة للحلول المقترحة لمواجهة صعوبة التخطيط في عالم سريع التغير، فإنه يتبغي أن تكون الخطة مرنة قابلة للتنفيذ، يمكن تعديلها في أي حين وفق مستجدات الواقع و تقلبات الظروف، حتى تصبح منسجمة مع الواقع وتغيراته وتتضمن مختلف السيناريوهات وذلك بعد إخضاعها للتقويم المرحلي للتمكن من وضع خطة أخرى في المستقبل وتفادي بعض الاختلالات التي شابت الخطة والعمل على تجاوزها.
و قبل تفصيل أنواع الخطط الاعتيادية، لابد من تقديم تعريف مختصر للخطة:
 تعريف الخطة :
    الخطة هي مجموعة من التدابير المحددة التي تتخذ من أجل تنفيذ هدف معين. وتتميز الخطة بوجود هدف (غاية) ووجود وسائل محددة للوصول إلى هذا الهدف. ويعتمد التخطيط أساسا على الروح العلمية التي تمكننا من دراسة الأشياء لمعرفة قوانينها بغية التأثير في مجراها وفي هذا الصدد يقول أوكست كونت: "المعرفة فالتنبؤ فالقدرة" على تغيير مجرى الأحداث.
-    الأولى: خطة بعيدة المدى.
ترسم الأهداف العامة على المدى البعيد (من 15 إلى 20 سنة) ولا تتضمن تفصيلات كثيرة نظرا للتغير المستمر الذي يسببه التقدم العلمي والتقني السريع في العصر الحديث.
-    الثانية: خطة متوسطة المدى.
تتضمن تفصيلات أكبر من الخطة الأولى ولها أهداف محددة على المدى القريب والمتوسط (من 3 إلى 10 سنوات).
-    الثالثة: خطة قريبة المدى.
وهي جزء من الخطة المتوسطة المدى والتي يمكن تقسيمها بدورها إلى شرائح وأقسام ، مدة كل شريحة سنة مثلا كما يمكن تقسيم هذه الشريحة إلى شرائح أصغر (مدتها فصل من السنة) تم إلى خطط شهرية.
أما فيما يتعلق بحلول لصعوبة مشكلة الأولويات فالحل يكمن في المعايير التي نبني عليها تحيزنا للأولويات والتي يجب أن تكون معايير موضوعية مبنية على دراسات علمية كاملة لأوضاع التربية وحاجاتها وأهدافها، ولهذا يجب دراسة الأوضاع السكانية والاقتصادية والاجتماعية والتربية للبلد حتى نتمكن من اختيار نظام معين من الأولويات كما أن مرونة الخطة التربوية تساعد على حل هذه المشكلة.           
غير أننا نود أن لا يفوتنا التأكيد على أن الهدف ليس هو إعطاء محاضرة في التخطيط التربوي، فالتقديم السالف الذكر والذي حرصنا على أن يكون باختصار شديد، يرمي إلى وضع المتلقي في الإطار المرجعي والنظري للتخطيط التربوي، لابد أن نشير إلى أنه من الواجب التذكير كذلك ببعض المفاهيم التي سنعتمدها في هذه المساهمة ويتعلق الأمر بما يلي:       
- تعريف النسق التربوي.
- تعريف محيط النسق التربوي
- تعريف النسق الإعلامي التربوي.

·     تعريف النسق:

يحدد كل من هال وفاجن 1956 النسق كمجموعة من العناصر التي تتميز ببعض الخصائص وكل تغيير في هذه الخصائص يمس النسق في أحد جوانبه وكل تغيير يمس عناصره ناتج بالضرورة عن تغييرات في تعامل النسق وتفاعله.
أما مورين، فيعرف النسق كتجميع لعدد معين من العناصر يولد الكل والذي يتميز بخصائص مجهولة على مستوى الأجزاء (أجزاء النسق) وتمظهر على مستوى الكل.
والنسق التربوي، لا يختلف كثيرا عن هذه التعريفات، فهو يتميز بالخصوص بكونه يتكون بالإضافة إلى العناصر المختلفة من فضاءات ووسائل ديداكتيكية ومقررات وموارد بشرية ومالية، وإدارية و علاقات محكمة بمذكرات وقررات وقوانين) وأخرى غير مؤسساتية . وهذه المميزات هي التي تجعل من النسق التربوي نسقا معقدا Complexe .

·     محيط النسق التربوي:

لا يمكن الحديث عن نسق دون معرفة المحيط الذي يسبح فيه والنسق التربوي يتفاعل بدوره مع محيطه من خلال مختلف الانساق (الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والأخلاقي والديني والديموغرافي....) الذي يتأثر بها من خلال مدخلاته (من تلاميذ، أموال، قيم...) ويؤثر عليها من خلال مخرجاته (من شواهد، ومستويات للتربية، وبناء الشخصية والهوية...)
وكما تمت الإشارة إلى أن النسق التربوي يتميز على الخصوص بالتعقيد Complexité فإن ضبطه Régulation للتحكم في مساره يتطلب التوفر على نسق موازن له ويتعلق الأمر بالنسق الإعلامي التربوي والذي يجب أن يوفر كل المعلومات التربوية (Informations Pédagogiques) الكمية منها والنوعية لاحتساب مؤشرات دالة لمحاولة قياس إنجازات النسق وإخفاقاته في تحقيق الأهداف المسطرة.

·     النسق الإعلامي التربوي:

و موازاة مع النسق التربوي ، ينبغي إرساء نسق إعلامي تربوي ، يوفر المعلومات التربوية الكمية منها و النوعية لخدمة النسق التربوي.
فالمعطيات الإحصائية ، تشكل المادة الإعلامية للنسق الإعلامي للإحصائيات التربوية، فهي تغطي مختلف مجالات النسق التربوي( التلاميذ الممدرسون موزعون حسب الجنس و المستوى و الشعب و الاستفادة من المنح الدراسية أو المطاعم و المؤسسات التعليمية و الوسط الجغرافي....)، و الموارد البشرية بمختلف تخصصاتها، موزعة( حسب مادة التخصص و السن ، و الرتب الإدارية، و الشواهد المحصل عليها... ) و البنية التحتية( من حجرات دراسية و مكاتب إدارية و سكنيات و مراقد... ).
هذه المعطيات و غيرها تمكن المخطط التربوي و غيره من المشتغلين بقطاع التربية من إدارة تربوية و كل المهتمين بالمجال، من احتساب مجموعة من المؤشرات كل في مجال تخصصه و فق حاجياته و أهدافه.
خاتمة:

إنه من الصعب الإحاطة بالموضوع الذي تناولناه في هذا المقال، نظرا  لطبيعة الموضوع و تشعبه وارتباطه بعدة مجالات في العلوم الإنسانية من جهة وللمستجدات التي مست المرجعيات و الأسس الفلسفية من جهة أخرى، غير أننا توخينا بالأساس تقديم صورة مختصرة عن بعض جوانب الموضوع و أهم المقاربات التي يعتمدها التخططيط التربوي في استشراف المستقبل، و أشرنا بعد ذلك إلى بعض الصعوبات التي تعتري عمليات التخطيط بشكل عام، و التخطيط التربوي على وجه الخصوص، كما تعمدنا إدراج بعض المحاور المتعلقة بمفاهيم النسق التربوي ودلالاته لتهيئ الأرضية للعرض المتعلق ب _ منهجية  الخريطة المدرسية _.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.